سيد قطب

2075

في ظلال القرآن

فمن لم يجد في نفسه هذا الجد وهذا الجزم وهذه الثقة فما أغنى هذا الدين عنه . واللّه غني عن العالمين « 1 » ! وما يجوز أن يثقل الواقع الجاهلي على حس مسلم ، حتى يتلقى من الجاهلية في منهج حياته ؛ وهو يعلم أن ما جاءه به محمد - صلى اللّه عليه وسلم - هو الحق ؛ وأن الذي لا يعلم أن هذا هو الحق « أعمى » . ثم يتبع هذا الأعمى ، ويتلقى عنه ، بعد شهادة اللّه سبحانه وتعالى . . وأخيرا نقف أمام المعلم الأخير من المعالم التي تقيمها هذه السورة لهذا الدين . . إن هناك علاقة وثيقة بين الفساد الذي يصيب حياة البشر في هذه الأرض وبين ذلك العمى عن الحق الذي جاء من عند اللّه لهداية البشر إلى الحق والصلاح والخير . فالذين لا يستجيبون لعهد اللّه على الفطرة ، ولا يستجيبون للحق الذي جاء من عنده ويعلمون أنه وحده الحق . . هم الذين يفسدون في الأرض ؛ كما أن الذين يعلمون أنه الحق ويستجيبون له هم الذين يصلحون في الأرض ، وتزكو بهم الحياة : * « أَ فَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى ؟ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ . الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ . وَالَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ ، وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ، وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ . وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ ، وَأَقامُوا الصَّلاةَ ، وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً ، وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ ، أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ . . . » . . * « وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ ، وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ ، وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ، أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ » . . إن حياة الناس لا تصلح إلا بأن يتولى قيادتها المبصرون أولو الألباب الذين يعلمون أن ما أنزل إلى محمد - صلى اللّه عليه وسلم - هو الحق . ومن ثم يوفون بعهد اللّه على الفطرة ، وبعهد اللّه على آدم وذريته ، أن يعبدوه وحده ، فيدينوا له وحده ، ولا يتلقوا عن غيره ، ولا يتبعوا إلا أمره ونهيه . ومن ثم يصلون ما أمر اللّه به أن يوصل ، ويخشون ربهم فيخافون أن يقع منهم ما نهى عنه وما يغضبه ؛ ويخافون سوء الحساب ، فيجعلون الآخرة في حسابهم في كل خالجة وكل حركة ؛ ويصبرون على الاستقامة على عهد اللّه ذاك بكل تكاليف الاستقامة ؛ ويقيمون الصلاة ؛ وينفقون مما رزقهم اللّه سرا وعلانية ؛ ويدفعون السوء والفساد في الأرض بالصلاح والإحسان . . إن حياة الناس في الأرض لا تصلح إلا بمثل هذه القيادة المبصرة ؛ التي تسير على هدى اللّه وحده ؛ والتي تصوغ الحياة كلها وفق منهجه وهديه . . إنها لا تصلح بالقيادات الضالة العمياء ، التي لا تعلم أن ما أنزل على محمد - صلى اللّه عليه وسلم - هو الحق وحده ؛ والتي تتبع - من ثم - مناهج أخرى غير منهج اللّه الذي ارتضاه للصالحين من عباده . . إنها لا تصلح بالإقطاع والرأسمالية ، كما أنها لا تصلح بالشيوعية والاشتراكية العلمية ! . . إنها كلها من مناهج العمي الذين لا يعلمون أن ما أنزل على محمد - صلى اللّه عليه وسلم - هو وحده الحق ، الذي لا يجوز العدول عنه ، ولا التعديل فيه . . إنها لا تصلح بالثيوقراطية كما أنها لا تصلح بالديكتاتورية أو الديمقراطية ! فكلها سواء في كونها من مناهج العمي ، الذين يقيمون من أنفسهم أربابا من دون اللّه ، تضع

--> ( 1 ) يراجع فصل : « التصور الإسلامي والثقافة » في كتاب : « معالم في الطريق » . « دار الشروق » .